سقوط الدولة الطاهرية
كانت الدولة الطاهرية دولة أبية مجيدة بل كانت من أقوى الدويلات التي حكمت اليمن في العصر الوسيط، وقد امتدت سلطتها من صعدة حتى حضرموت. ونالت التأييد الواسع من كافة اليمنيين، باستثناء الأئمة الزيديين. وربما كانت هذه الدولة هي الدولة اليمنية المستقلة الوحيدة التي توحدت في عهدها البلاد بعد الإسلام، إذ أنه منذ احتل الأحباش اليمن وخلفهم على حكمه الفرس..واليمنيون لم يحكموا أنفسهم إلا لماما، ولم يحكموا بلادهم كاملة إلا في حقب محدودة أو بمساعدة خارجية. وقد تميزت هذه الدولة بأعمالها الإصلاحية الجليلة، في الزراعة والعمران، رغم كثرة الحروب التي خاضتها ضد مناوئيها والخارجين عليها. وكان حكامها ينسبون أنفسهم للأمويين. وكان السلطان صلاح الدين عامر بن عبد الوهاب ( 1489- 1517)، هو أشهر سلاطين هذه الدولة، وكان رجل دولة بامتياز، وهو يعتبر أقوى زعيم عرفته اليمن في تاريخها في العصر الوسيط " وكانت عاصمته المقرانة وأصلة من جبن". وفي عهده تم سحق جيش الإمام الوشلي، وأخذه أسيرا إلى تعز، كما تمكن من الاستيلاء على العاصمة صنعاء ليضيق الخناق بعد ذلك على من تبقى من إئمة الزيدية في مناطق شمال الشمال، وتم إجبارهم على الرضوخ والإذعان للطاعة.
قال في النور السافر : "وفيها أي سنة 910هـ - كانت الواقعة المشهورة بين السلطان عامر بن عبد الوهاب والأمير محمد بن الحسين البهال صاحب صعده على باب صنعا فانهزم فيها البهال وعساكره هزيمة عظيمة ما سمع بمثلها قط وأسر فيها إمام الزيدية محمد بن علي الوشلي إمام أهل البدعة ورئيسهم جمع عظيم وقتل منهم جمع لا يحصى ونهبهم الناس وكانوا يأتون بهم وبخيلهم واحدا واثنين وأخذ السلطان عامر مدينة صنعا" وفي عام 920هـ وفد إليه أشراف صعدة - وفي مقدمتهم إمام صعدة الحسن بن المؤيد - وعاهدوه على السمع والطاعة وتسليمه مدينة صعدة. وهكذا كانت الإمامة الزيدية توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في عهد هذا السلطان.
ولكن المؤسف أن هذه الدولة الماجدة سقطت وهي في قمة عنفوانها، فاستطاع الإمام شرف الدين حينئذ (1507-1558) من إيقاف الانهيار النهائي لدولة الأئمة الزيديين.
فقد تكالبت على الدولة الطاهرية جيوش وأساطيل ثلاث إمبراطوريات في وقت واحد تقريبا، أساطيل البرتغاليين، وأساطيل المماليك، وأساطيل العثمانيين. والأدهى أنهم فاجئوها بأسلحة جديدة لم تكن تعرف عنها شيئا وهي الأسلحة النارية التي حصدت جيوشها حصدا عندما واجهتهم في العراء بالسيوف والسهام. ففي بداية الأمر تحملت هذه الدولة الفتية عبئ مقاومة الأساطيل البرتغالية الغازية للسواحل اليمنية على البحر العربي، سنة 1513، وكبدتهم قواتها خسائر فادحة في بداية الأمر، في عدن وحضرموت، وعلى إثر ذلك وتحديدا في أكتوبر عام 1515، قدم الأسطول المملوكي إلى سواحل اليمن في طريقه للعبور إلى الهند للتصدي للبرتغاليين الذين نجحوا في إيجاد موطئ قدم لهم هناك، ولم يحصل المماليك على التعاون المطلوب من الطاهريين، وهو تقديم المواني والقوى البشرية والتموين الغذائي للأسطول المملوكي، وحصل بينهما سوء تفاهم، فاستفاد الإمام شرف الدين من هذا الخلاف وبعث برسالة إلى قائد الأسطول المملوكي ( حسين الكردي ) يحرضه فيها على الطاهريين، ومما جاء في رسالة الإمام " ولقد استرجحنا إرسال هذه الرسالة… لإنهاء التهنئة، بما فتح الله على يدكم من الفتوح الهنيئة، والحث لكم على استدراك هذه البقية من عترة نبيكم الزاهرة الزكية، وبذل المعاونة على استخلاص سائر البلاد من يد هذا الطاغي ( يعني عامر بن عبد الوهاب آل طاهر ) وأعوانه وأنصاره..".
وهناك من يرى أن السلطان عامر بن عبد الوهاب قد أرتكب خطأ فادحا عندما لم يتعاون مع المماليك، وكان ذلك بسبب خطل رأي مستشاريه الذين خوفوه من وقوع بلاده تحت سيطرة المماليك فيما إذا قدم لهم الدعم اللازم، فكانت تلك فرصة أستغلها الإمام شرف الدين للإيقاع بين الدولتين السنيتين المملوكية والطاهرية – كما قلنا آنفا -. وما لبثت الحرب أن اندلعت بين الطرفين. فاضطرت جيوش الدولة الطاهرية بزعامة السلطان عامر بن عبد الوهاب أن تشتبك في حرب طاحنة على ثلاث جبهات، مع المماليك في زبيد، ومع الأئمة الزيديين في صنعاء، ومع البرتغاليين في عدن، ولأن المماليك كانوا يتمتعون بتفوق عسكري غير محدود، سيما وأنهم كانوا يملكون أسلحة نارية لم تكن قد عرفت في اليمن بعد، فقد تمكنوا من هزيمة الطاهرين وتشتيت جيشهم، دون كبير عناء، بل ونجحوا في قتل السلطان عامر بن عبد الوهاب، وشقيقه عبد الملك أثناء دفاعهما عن صنعاء، وبعد مقتل السلطان عامر طافوا برأسه حول المدينة.
ثم بعد ذلك مباشرة قدمت الأساطيل العثمانية، وكان فتح العثمانيين لليمن، وكل ذلك جاء على رأس أم الدولة الطاهرية، ويستحيل على دولة - مهما كانت قوتها - تتعرض لمثل هذه الضربات العنيفة والمتواصلة فتظل على قيد الحياة:
فلو كان سهما واحدا لا تقيته ** ولكنه سهـم وثانٍ وثـالث
أفول نجم الشوافع في اليمن
والمهم هو أنه منذ ذلك الحين أخذ نجم الشوافع في الأفول، ودورهم السياسي والثقافي في الأضمحلال، وأنقلبت موازين القوى في اليمن الشمالي لصالح الأئمة الزيديين.
ومن يومئذ وإلى اليوم "لم يحكم اليمن الشمالي أي يمني سني، ولا حتى جزءا منه انطلاقا من صنعاء.
ويمكن القول أن ركود الشوافع في اليمن يرجع إلى العوامل التالية:
1- أن الدويلات التي كانت تحكم اليمن وتتخذ من زبيد أو تعز أو عدن عاصمة لها لم تكن تعتمد على قبائل وأهل بلاد اليمن الأسفل وتهامة كمقاتلين ضمن جيوشها، بقدر ما كانت تعتمد على جنود مجلوبين من الخارج، إما من التركمان أو من المماليك أو من القرن الأفريقي، باستثناء الدولة الطاهرية فقد كانت دولة يمنية صرفة، ولكن للأسف لم تعمر طويلا لما ذكرناه آنفا و كذلك الدوله المهديه في زبيد -
2- تسليم أبناء تهامة والمناطق السفلى ( الشوافع ) مقاليد أمورهم لدولة الخلافة العثمانية في مطلع العصر الحديث وركونهم على الولاة العثمانيين في إدارة شئون البلاد. وهذا طبعا ليس عيبا بل هو مفخرة ووسام شرف لأهل اليمن الأسفل لأن الدولة العثمانية كانت هي حامية الحرمين الشريفين وكانت تمثل المسلمين جميعا، إلا أن ذلك قد أدى إلى ابتعاد أبناء هذه المناطق عن أمور السياسة من جهة، وأدى من جهة أخرى إلى ضعف رابطة العصبية لديهم، الضعيفة أصلا بحكم بيئتهم ونمط حياتهم، وأعمالهم الاقتصادية.
3- انتشار الطرق الصوفية، واستفحال الطقوس البدعية، وزيارات أضرحة الأولياء التي انتشرت في كل مكان، مثل ضريح العيدروس وضريح الهاشمي في عدن، وضريح بن علوي ، وقبر النبي هود ، وقبر سالم عمر العطاس وضريح أحمد بن عيسى المهاجر في حضرموت، وقبر أحمد بن علوان في يفرس بالقرب من تعز، وموسى العجيل في بيت الفقيه، وقبور أولياء آخرين، انتشرت في مختلف الأرياف. وكان ذلك يتم بمساعدة الحكام الذين كانوا ينتصرون للصوفية على خصومهم من الفقهاء والعلماء الإصلاحيين.
وقد لعبت الطرق الصوفية – ولا تزال تلعب - دورا في تخدير قسم كبير من أهالي اليمن الأسفل، وكانت بشكل عام وبالا عليهم وعلى الإسلام.
يقول الأستاذ عبد الله الحبشي في كتابه الصوفيه والفقهاء في اليمن: "كثر الصوفية ( في اليمن ) بعد القرن العاشر ( الهجري) وأصبحنا نجدهم في شتى طوائف المجتمع كما في المدينة والريف ولا أغالي إذا قلت أن نزعة التصوف تغلغلت حتى عند جمهور الفقهاء وغدا من المتعذر التمييز بين كل من ترسم بالفقه وسائر العلوم الأخرى ومن عرف بالتصوف، ولعل ذلك يعود في أساسه إلى عدم وجود التمييز بين تخصصات العلوم الإسلامية واتجاهاتها وهذا بدوره عائدا إلى ركود الثقافة في تلك العصور وطغيان الجهل على الناس ".
ويقول في مكان آخر:" ولقي الصوفية من أهل اليمن ترحيبا كبيرا فكثرت الوفادات والزيارات من سائر أنحاء العالم الإسلامي ولعل أهم هذه الوفادات زيارة الصوفي المغربي الكبير الشيخ أحمد بن أدريس المتوفي 1253 ( هجرية ) واستقراره في اليمن ثم قيام أحفاده من بعده بتأسيس دولة مستقلة عرفت باسم الدولة الإدريسية وقد لعبت دورا كبيرا في التاريخ اليمني المعاصر.
4- ثم في غضون ذلك جاءت ممارسات الأئمة الزيديين وقبائل حاشد وبكيل التسلطية ضد أبناء تهامة وأبناء اليمن الأسفل عموما، وممارسات السلطات البريطانية في الجنوب، جاءت هذه وتلك لتزيد الطين بلة.
ومحصلة كل ذلك هو الواقع الذي نعيشه اليوم.
عوامل صعود الإمامة الزيدية
أدى سقوط الدولة الطاهرية ومقتل زعيمها القوي عامر بن عبد الوهاب، على مشارف صنعاء سنة 1517، إلى اختلال ميزان القوى في اليمن بين الشمال والجنوب لصالح الشمال لأول مرة في التاريخ.
وقد استفاد الأئمة الزيدون من هذا الوضع، فبدئوا ينشطون وساعدهم ذلك الفراغ على الخروج من قوقعتهم ومن مناطقهم الجبلية في الشمال، لاسيما بعد انسحاب المماليك من صنعاء نتيجة لسقوط دولتهم الأم في مصر بيد العثمانيين.
وفي غضون ذلك شن الزيديون أشد الهجمات على معاقل أهل السنة في وسط اليمن، وخاصة تعز ، وزبيد. وفي حين نجحوا في السيطرة على تعز، سنة 1535، فقد جوبهوا بمقاومة شديدة ومستميتة على مشارف زبيد ( كرسي الشافعية ) انتهت بهزيمتهم وردهم على أعقابهم إلى المنطقة الجبلية، وذلك في عام 1538.
وفي غضون ذلك خضعت اليمن للحكم العثماني (1538- 1635) فأظهر الزيود التمرد على دولة الخلافة العثمانية ولعبوا دور المعارض لحكم الولاة العثمانيين لليمن - كما هي عادتهم – بينما صادف الحكم العثماني لليمن الرضا والقبول من أهل السنة ( الشوافع)، على طول فترة حكمهم لليمن – كما سبق أن قلنا.
ثم لما انسحب العثمانيون من اليمن بعد فتحهم الأول لها ، لم تكن هناك أية قوية سنية تسد الفراغ الهائل الذي خلفه رحيل العثمانيين، ولم يكن هناك سوى قوة قبائل حاشد وبكيل لتسد ذلك الفراغ وكانت هي القوة الرئيسية التي يعتمد عليها الأئمة الزيديون، فتقوى المذهب الزيدي آنذاك، لا سيما بعد قيام الدولة القاسمية التي سيطرت سياسيا على اليمن الطبيعي، كما يقال، وحينئذٍ انتشر المذهب إلى الحد الفاصل بين اليمن الأعلى واليمن الأسفل، أي إلى نقيل صيد (سمارة )، ووصل إلى دمت وإلى السدة، ناهيك عن بلاد يريم، ومحافظة ذمار باستثاء الوصابين، وعتمة.. باستثناء مخلاف سماه، الذي يعتبر قضاته وعلماؤه محسوبون على المذهب الزيدي. كما انتشر في عمران، والجوف، وبعض مناطق حجة، وأجزاء من محافظة المحويت.
وفي حضرموت تبنى السلطان عمر بن جعفر الكثيري المذهب الزيدي،إلا أنه اصطدم بتحالف عدد من السلاطين ضده ومحاربتهم له.
وحدث نفس الشيء نفسه بعد الفتح العثماني الأخير لليمن، عام 1870، فقد لعب الأئمة الزيديون دور حركة المعارضة المسلحة للوجود العثماني في اليمن، وجاءت الحرب التركية – الايطالية في ليبيا لتخدم الأئمة الزيديين، فقد أدت حاجة تركيا للتفرغ لتلك الحرب، إلى توقيع اتفاقية دعان ( قرية قريبة من عمران ) مع الإمام يحيى حميد الدين عام 1911، التي اعترفت تركيا بموجبها رسميا بسلطة الإمام يحيى حميد الدين على مرتفعات اليمن الشمالية، وأوكلت إليه مسئولية تطبيق المذهب الزيدي في تلك المناطق، على أن تظل القوانين العثمانية سارية المفعول في المناطق الشافعية. وعندما انسحب الأتراك من اليمن عام 1919، بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، قام الوالي التركي محمود نديم بتسليم الأئمة الزيدين مقاليد الحكم في صنعاء، وباع لهم بثمن بخس ما كان تحت يده من سلاح وعتاد، وتحول بعض الضباط الأتراك للخدمة لدى الإمام. وكان ذلك السلاح هو السلاح الذي حارب به الأئمة الزيديون، أهل السنة بعد ذلك، وضموا مناطقهم في تهامة وتعز وأب بالقوة إلي مملكتهم. علما بأن ذلك لم يحدث بسهولة ودون معارك حامية الوطيس، فقد بدأت مقاومة قبائل اليمن الأسفل للجيش القبلي الزيدي في القرية التي تتوسط نقيل سمارة حاليا، لأن هذا الجيش وبالرغم من قبول زعماء اليمن الأسفل بالدخول تحت راية الإمام سلميا ، كان أثناء دخوله مدينة يريم قد أرتكب من الأعمال المروعة ومارس من أساليب السلب والنهب ما لا يخطر على البال . لذلك أضطرت بعض القبائل لمقاومته.. واستمرت قبيلة حبيش تقاوم لوحدها لمدة ستة أشهر كاملة، ولم يتقدم أحد لمساعدتها، لأن زعماء اليمن الأسفل لم يكونوا متحدين وبالأحرى لم يكن لهم قيادة مركزية يلجئون إليها ويتحدون تحت رايتها.
وأما القبائل الشافعية التي قاومت التمدد الزيدي مثل قبيلة الزرانيق في تهامة، وقبيلة المقاطرة في جنوب الحجرية، فقد لفقت لها تهم الكفر، وموالاة النصارى، وتم سحقها بدون رحمة، وسيق أبناء شيوخها والشخصيات المؤثرة فيها كالقطعان ليكونوا رهائن بيد الإمام وتحت رحمته، لضمان عدم تمرد قبائلهم وعشائرهم. وتم ذلك بتعاون من بعض قبائل اليمن الأسفل الشافعية التي أقحمت في حملة الإمام واستخدمت كواجهة لتبرير الجرائم المروعة التي ارتكبت بحقهما دون أن تستثنى هي أيضا من نظام الرهائن الرهيب الذي كان يعتبر واحدا من أركان الزاوية لنظام الإمامة في اليمن .
ماجرى بالامس هو اليوم وصديق الامس عدو اليوم انتبهوا اهل السنه والجماعه وانتم المتمسكين لهذا الدين وسنة سيد المرسلين وصلى الله ع نبينا محمد ...
كانت الدولة الطاهرية دولة أبية مجيدة بل كانت من أقوى الدويلات التي حكمت اليمن في العصر الوسيط، وقد امتدت سلطتها من صعدة حتى حضرموت. ونالت التأييد الواسع من كافة اليمنيين، باستثناء الأئمة الزيديين. وربما كانت هذه الدولة هي الدولة اليمنية المستقلة الوحيدة التي توحدت في عهدها البلاد بعد الإسلام، إذ أنه منذ احتل الأحباش اليمن وخلفهم على حكمه الفرس..واليمنيون لم يحكموا أنفسهم إلا لماما، ولم يحكموا بلادهم كاملة إلا في حقب محدودة أو بمساعدة خارجية. وقد تميزت هذه الدولة بأعمالها الإصلاحية الجليلة، في الزراعة والعمران، رغم كثرة الحروب التي خاضتها ضد مناوئيها والخارجين عليها. وكان حكامها ينسبون أنفسهم للأمويين. وكان السلطان صلاح الدين عامر بن عبد الوهاب ( 1489- 1517)، هو أشهر سلاطين هذه الدولة، وكان رجل دولة بامتياز، وهو يعتبر أقوى زعيم عرفته اليمن في تاريخها في العصر الوسيط " وكانت عاصمته المقرانة وأصلة من جبن". وفي عهده تم سحق جيش الإمام الوشلي، وأخذه أسيرا إلى تعز، كما تمكن من الاستيلاء على العاصمة صنعاء ليضيق الخناق بعد ذلك على من تبقى من إئمة الزيدية في مناطق شمال الشمال، وتم إجبارهم على الرضوخ والإذعان للطاعة.
قال في النور السافر : "وفيها أي سنة 910هـ - كانت الواقعة المشهورة بين السلطان عامر بن عبد الوهاب والأمير محمد بن الحسين البهال صاحب صعده على باب صنعا فانهزم فيها البهال وعساكره هزيمة عظيمة ما سمع بمثلها قط وأسر فيها إمام الزيدية محمد بن علي الوشلي إمام أهل البدعة ورئيسهم جمع عظيم وقتل منهم جمع لا يحصى ونهبهم الناس وكانوا يأتون بهم وبخيلهم واحدا واثنين وأخذ السلطان عامر مدينة صنعا" وفي عام 920هـ وفد إليه أشراف صعدة - وفي مقدمتهم إمام صعدة الحسن بن المؤيد - وعاهدوه على السمع والطاعة وتسليمه مدينة صعدة. وهكذا كانت الإمامة الزيدية توشك أن تلفظ أنفاسها الأخيرة في عهد هذا السلطان.
ولكن المؤسف أن هذه الدولة الماجدة سقطت وهي في قمة عنفوانها، فاستطاع الإمام شرف الدين حينئذ (1507-1558) من إيقاف الانهيار النهائي لدولة الأئمة الزيديين.
فقد تكالبت على الدولة الطاهرية جيوش وأساطيل ثلاث إمبراطوريات في وقت واحد تقريبا، أساطيل البرتغاليين، وأساطيل المماليك، وأساطيل العثمانيين. والأدهى أنهم فاجئوها بأسلحة جديدة لم تكن تعرف عنها شيئا وهي الأسلحة النارية التي حصدت جيوشها حصدا عندما واجهتهم في العراء بالسيوف والسهام. ففي بداية الأمر تحملت هذه الدولة الفتية عبئ مقاومة الأساطيل البرتغالية الغازية للسواحل اليمنية على البحر العربي، سنة 1513، وكبدتهم قواتها خسائر فادحة في بداية الأمر، في عدن وحضرموت، وعلى إثر ذلك وتحديدا في أكتوبر عام 1515، قدم الأسطول المملوكي إلى سواحل اليمن في طريقه للعبور إلى الهند للتصدي للبرتغاليين الذين نجحوا في إيجاد موطئ قدم لهم هناك، ولم يحصل المماليك على التعاون المطلوب من الطاهريين، وهو تقديم المواني والقوى البشرية والتموين الغذائي للأسطول المملوكي، وحصل بينهما سوء تفاهم، فاستفاد الإمام شرف الدين من هذا الخلاف وبعث برسالة إلى قائد الأسطول المملوكي ( حسين الكردي ) يحرضه فيها على الطاهريين، ومما جاء في رسالة الإمام " ولقد استرجحنا إرسال هذه الرسالة… لإنهاء التهنئة، بما فتح الله على يدكم من الفتوح الهنيئة، والحث لكم على استدراك هذه البقية من عترة نبيكم الزاهرة الزكية، وبذل المعاونة على استخلاص سائر البلاد من يد هذا الطاغي ( يعني عامر بن عبد الوهاب آل طاهر ) وأعوانه وأنصاره..".
وهناك من يرى أن السلطان عامر بن عبد الوهاب قد أرتكب خطأ فادحا عندما لم يتعاون مع المماليك، وكان ذلك بسبب خطل رأي مستشاريه الذين خوفوه من وقوع بلاده تحت سيطرة المماليك فيما إذا قدم لهم الدعم اللازم، فكانت تلك فرصة أستغلها الإمام شرف الدين للإيقاع بين الدولتين السنيتين المملوكية والطاهرية – كما قلنا آنفا -. وما لبثت الحرب أن اندلعت بين الطرفين. فاضطرت جيوش الدولة الطاهرية بزعامة السلطان عامر بن عبد الوهاب أن تشتبك في حرب طاحنة على ثلاث جبهات، مع المماليك في زبيد، ومع الأئمة الزيديين في صنعاء، ومع البرتغاليين في عدن، ولأن المماليك كانوا يتمتعون بتفوق عسكري غير محدود، سيما وأنهم كانوا يملكون أسلحة نارية لم تكن قد عرفت في اليمن بعد، فقد تمكنوا من هزيمة الطاهرين وتشتيت جيشهم، دون كبير عناء، بل ونجحوا في قتل السلطان عامر بن عبد الوهاب، وشقيقه عبد الملك أثناء دفاعهما عن صنعاء، وبعد مقتل السلطان عامر طافوا برأسه حول المدينة.
ثم بعد ذلك مباشرة قدمت الأساطيل العثمانية، وكان فتح العثمانيين لليمن، وكل ذلك جاء على رأس أم الدولة الطاهرية، ويستحيل على دولة - مهما كانت قوتها - تتعرض لمثل هذه الضربات العنيفة والمتواصلة فتظل على قيد الحياة:
فلو كان سهما واحدا لا تقيته ** ولكنه سهـم وثانٍ وثـالث
أفول نجم الشوافع في اليمن
والمهم هو أنه منذ ذلك الحين أخذ نجم الشوافع في الأفول، ودورهم السياسي والثقافي في الأضمحلال، وأنقلبت موازين القوى في اليمن الشمالي لصالح الأئمة الزيديين.
ومن يومئذ وإلى اليوم "لم يحكم اليمن الشمالي أي يمني سني، ولا حتى جزءا منه انطلاقا من صنعاء.
ويمكن القول أن ركود الشوافع في اليمن يرجع إلى العوامل التالية:
1- أن الدويلات التي كانت تحكم اليمن وتتخذ من زبيد أو تعز أو عدن عاصمة لها لم تكن تعتمد على قبائل وأهل بلاد اليمن الأسفل وتهامة كمقاتلين ضمن جيوشها، بقدر ما كانت تعتمد على جنود مجلوبين من الخارج، إما من التركمان أو من المماليك أو من القرن الأفريقي، باستثناء الدولة الطاهرية فقد كانت دولة يمنية صرفة، ولكن للأسف لم تعمر طويلا لما ذكرناه آنفا و كذلك الدوله المهديه في زبيد -
2- تسليم أبناء تهامة والمناطق السفلى ( الشوافع ) مقاليد أمورهم لدولة الخلافة العثمانية في مطلع العصر الحديث وركونهم على الولاة العثمانيين في إدارة شئون البلاد. وهذا طبعا ليس عيبا بل هو مفخرة ووسام شرف لأهل اليمن الأسفل لأن الدولة العثمانية كانت هي حامية الحرمين الشريفين وكانت تمثل المسلمين جميعا، إلا أن ذلك قد أدى إلى ابتعاد أبناء هذه المناطق عن أمور السياسة من جهة، وأدى من جهة أخرى إلى ضعف رابطة العصبية لديهم، الضعيفة أصلا بحكم بيئتهم ونمط حياتهم، وأعمالهم الاقتصادية.
3- انتشار الطرق الصوفية، واستفحال الطقوس البدعية، وزيارات أضرحة الأولياء التي انتشرت في كل مكان، مثل ضريح العيدروس وضريح الهاشمي في عدن، وضريح بن علوي ، وقبر النبي هود ، وقبر سالم عمر العطاس وضريح أحمد بن عيسى المهاجر في حضرموت، وقبر أحمد بن علوان في يفرس بالقرب من تعز، وموسى العجيل في بيت الفقيه، وقبور أولياء آخرين، انتشرت في مختلف الأرياف. وكان ذلك يتم بمساعدة الحكام الذين كانوا ينتصرون للصوفية على خصومهم من الفقهاء والعلماء الإصلاحيين.
وقد لعبت الطرق الصوفية – ولا تزال تلعب - دورا في تخدير قسم كبير من أهالي اليمن الأسفل، وكانت بشكل عام وبالا عليهم وعلى الإسلام.
يقول الأستاذ عبد الله الحبشي في كتابه الصوفيه والفقهاء في اليمن: "كثر الصوفية ( في اليمن ) بعد القرن العاشر ( الهجري) وأصبحنا نجدهم في شتى طوائف المجتمع كما في المدينة والريف ولا أغالي إذا قلت أن نزعة التصوف تغلغلت حتى عند جمهور الفقهاء وغدا من المتعذر التمييز بين كل من ترسم بالفقه وسائر العلوم الأخرى ومن عرف بالتصوف، ولعل ذلك يعود في أساسه إلى عدم وجود التمييز بين تخصصات العلوم الإسلامية واتجاهاتها وهذا بدوره عائدا إلى ركود الثقافة في تلك العصور وطغيان الجهل على الناس ".
ويقول في مكان آخر:" ولقي الصوفية من أهل اليمن ترحيبا كبيرا فكثرت الوفادات والزيارات من سائر أنحاء العالم الإسلامي ولعل أهم هذه الوفادات زيارة الصوفي المغربي الكبير الشيخ أحمد بن أدريس المتوفي 1253 ( هجرية ) واستقراره في اليمن ثم قيام أحفاده من بعده بتأسيس دولة مستقلة عرفت باسم الدولة الإدريسية وقد لعبت دورا كبيرا في التاريخ اليمني المعاصر.
4- ثم في غضون ذلك جاءت ممارسات الأئمة الزيديين وقبائل حاشد وبكيل التسلطية ضد أبناء تهامة وأبناء اليمن الأسفل عموما، وممارسات السلطات البريطانية في الجنوب، جاءت هذه وتلك لتزيد الطين بلة.
ومحصلة كل ذلك هو الواقع الذي نعيشه اليوم.
عوامل صعود الإمامة الزيدية
أدى سقوط الدولة الطاهرية ومقتل زعيمها القوي عامر بن عبد الوهاب، على مشارف صنعاء سنة 1517، إلى اختلال ميزان القوى في اليمن بين الشمال والجنوب لصالح الشمال لأول مرة في التاريخ.
وقد استفاد الأئمة الزيدون من هذا الوضع، فبدئوا ينشطون وساعدهم ذلك الفراغ على الخروج من قوقعتهم ومن مناطقهم الجبلية في الشمال، لاسيما بعد انسحاب المماليك من صنعاء نتيجة لسقوط دولتهم الأم في مصر بيد العثمانيين.
وفي غضون ذلك شن الزيديون أشد الهجمات على معاقل أهل السنة في وسط اليمن، وخاصة تعز ، وزبيد. وفي حين نجحوا في السيطرة على تعز، سنة 1535، فقد جوبهوا بمقاومة شديدة ومستميتة على مشارف زبيد ( كرسي الشافعية ) انتهت بهزيمتهم وردهم على أعقابهم إلى المنطقة الجبلية، وذلك في عام 1538.
وفي غضون ذلك خضعت اليمن للحكم العثماني (1538- 1635) فأظهر الزيود التمرد على دولة الخلافة العثمانية ولعبوا دور المعارض لحكم الولاة العثمانيين لليمن - كما هي عادتهم – بينما صادف الحكم العثماني لليمن الرضا والقبول من أهل السنة ( الشوافع)، على طول فترة حكمهم لليمن – كما سبق أن قلنا.
ثم لما انسحب العثمانيون من اليمن بعد فتحهم الأول لها ، لم تكن هناك أية قوية سنية تسد الفراغ الهائل الذي خلفه رحيل العثمانيين، ولم يكن هناك سوى قوة قبائل حاشد وبكيل لتسد ذلك الفراغ وكانت هي القوة الرئيسية التي يعتمد عليها الأئمة الزيديون، فتقوى المذهب الزيدي آنذاك، لا سيما بعد قيام الدولة القاسمية التي سيطرت سياسيا على اليمن الطبيعي، كما يقال، وحينئذٍ انتشر المذهب إلى الحد الفاصل بين اليمن الأعلى واليمن الأسفل، أي إلى نقيل صيد (سمارة )، ووصل إلى دمت وإلى السدة، ناهيك عن بلاد يريم، ومحافظة ذمار باستثاء الوصابين، وعتمة.. باستثناء مخلاف سماه، الذي يعتبر قضاته وعلماؤه محسوبون على المذهب الزيدي. كما انتشر في عمران، والجوف، وبعض مناطق حجة، وأجزاء من محافظة المحويت.
وفي حضرموت تبنى السلطان عمر بن جعفر الكثيري المذهب الزيدي،إلا أنه اصطدم بتحالف عدد من السلاطين ضده ومحاربتهم له.
وحدث نفس الشيء نفسه بعد الفتح العثماني الأخير لليمن، عام 1870، فقد لعب الأئمة الزيديون دور حركة المعارضة المسلحة للوجود العثماني في اليمن، وجاءت الحرب التركية – الايطالية في ليبيا لتخدم الأئمة الزيديين، فقد أدت حاجة تركيا للتفرغ لتلك الحرب، إلى توقيع اتفاقية دعان ( قرية قريبة من عمران ) مع الإمام يحيى حميد الدين عام 1911، التي اعترفت تركيا بموجبها رسميا بسلطة الإمام يحيى حميد الدين على مرتفعات اليمن الشمالية، وأوكلت إليه مسئولية تطبيق المذهب الزيدي في تلك المناطق، على أن تظل القوانين العثمانية سارية المفعول في المناطق الشافعية. وعندما انسحب الأتراك من اليمن عام 1919، بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، قام الوالي التركي محمود نديم بتسليم الأئمة الزيدين مقاليد الحكم في صنعاء، وباع لهم بثمن بخس ما كان تحت يده من سلاح وعتاد، وتحول بعض الضباط الأتراك للخدمة لدى الإمام. وكان ذلك السلاح هو السلاح الذي حارب به الأئمة الزيديون، أهل السنة بعد ذلك، وضموا مناطقهم في تهامة وتعز وأب بالقوة إلي مملكتهم. علما بأن ذلك لم يحدث بسهولة ودون معارك حامية الوطيس، فقد بدأت مقاومة قبائل اليمن الأسفل للجيش القبلي الزيدي في القرية التي تتوسط نقيل سمارة حاليا، لأن هذا الجيش وبالرغم من قبول زعماء اليمن الأسفل بالدخول تحت راية الإمام سلميا ، كان أثناء دخوله مدينة يريم قد أرتكب من الأعمال المروعة ومارس من أساليب السلب والنهب ما لا يخطر على البال . لذلك أضطرت بعض القبائل لمقاومته.. واستمرت قبيلة حبيش تقاوم لوحدها لمدة ستة أشهر كاملة، ولم يتقدم أحد لمساعدتها، لأن زعماء اليمن الأسفل لم يكونوا متحدين وبالأحرى لم يكن لهم قيادة مركزية يلجئون إليها ويتحدون تحت رايتها.
وأما القبائل الشافعية التي قاومت التمدد الزيدي مثل قبيلة الزرانيق في تهامة، وقبيلة المقاطرة في جنوب الحجرية، فقد لفقت لها تهم الكفر، وموالاة النصارى، وتم سحقها بدون رحمة، وسيق أبناء شيوخها والشخصيات المؤثرة فيها كالقطعان ليكونوا رهائن بيد الإمام وتحت رحمته، لضمان عدم تمرد قبائلهم وعشائرهم. وتم ذلك بتعاون من بعض قبائل اليمن الأسفل الشافعية التي أقحمت في حملة الإمام واستخدمت كواجهة لتبرير الجرائم المروعة التي ارتكبت بحقهما دون أن تستثنى هي أيضا من نظام الرهائن الرهيب الذي كان يعتبر واحدا من أركان الزاوية لنظام الإمامة في اليمن .
ماجرى بالامس هو اليوم وصديق الامس عدو اليوم انتبهوا اهل السنه والجماعه وانتم المتمسكين لهذا الدين وسنة سيد المرسلين وصلى الله ع نبينا محمد ...